الشيخ الصدوق

المقدمة 147

الإعتقادات ( تحقيق مؤسسة الهادي ع )

فإن قال قائل : فهلّا أفصح النبي صلى الله عليه وآله وسلم باستخلاف علي عليه السلام إن كان كما تقولون ؟ وما الذي دعاه إلى أن يقول فيه قولًا يحتاج فيه إلى تأويل وتقع فيه المجادلة ؟ قيل له : لو لزم أن يكون الخبر باطلًا ، أو لم يُرد به النبي صلى الله عليه وآله وسلم المعنى الذي هو الاستخلاف وإيجاب فرض الطاعة لعلي عليه السلام لأنه يحتمل التأويل ، أو لأن غيره عندك أبين وأفصح عن المعنى ، للزمك - إن كنت معتزلياً - أنّ اللَّه عزَّ وجلَّ لم يُرد بقوله في كتابه : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصرُ » « 1 » أي لا يُرى ، لأنَّ قولك « لا يرى » يحتمل التأويل . وأنّ اللَّه عزَّ وجلَّ لم يُرد بقوله في كتابه : « وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ » « 2 » أنّه خلق الأجسام التي تعمل فيها العباد دون أفعالهم ، فإنّه لو أراد ذلك لأوضحه بأن يقول قولًا لا يقع فيه التأويل . وأن يكون اللَّه عزَّ وجلَّ لم يُرد بقوله : « وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمّدًا فَجَزَآؤُه‌ُجَهَنَّمُ » « 3 » أنّ كلّ قاتل للمؤمن ففي جهنّم ، كانت معه أعمال صالحة أم لا ، لأنّه لم يُبيّن ذلك بقول لا يحتمل التأويل . وإن كنت أشعرياً لزمك ما لزم المعتزلة بما ذكرناه كلّه ، لأنه لم يُبيّن ذلك بلفظ يفصح عن معناه الذي هو عندك بالحق . وإن كان من أصحاب الحديث قيل له : يلزمك أن لا يكون قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم « إنّكم ترون ربّكم كما ترون القمر في ليلة البدر لا تُضامون « 4 » في رؤيته » لأنّه قال قولًا يحتمل التأويل ولم يفصح به ، وهو لا يقول : ترونه بعيونكم لا بقلوبكم . ولمّا كان هذا الخبر يحتمل التأويل ولم يكن مفصحاً ، علمنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعنِ به الرؤية التي ادّعيتموها ، وهذا اختلاط شديد ، لأنَّ أكثر الكلام في القرآن وأخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلسان عربي ومُخاطبة لقوم فُصحاء ، على أحوال تدلّ على مُراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

--> ( 1 ) - الانعام : 103 . ( 2 ) - الصافات : 96 . ( 3 ) - النساء : 93 . ( 4 ) - هو بالبناء للمفعول : أي لاتُقهرون .